ابن كثير

67

البداية والنهاية

في مجلس وعظه الملوك والوزراء والعلماء والامراء والفقراء والعامة ، وكانت له عبادات وأوراد ، وقد وقع بينه وبين الكرامية في أوقات وكان يبغضهم ويبغضونه ويبالغون في الحط عليه ، ويبالغ هو أيضا في ذمهم . وقد ذكرنا طرفا من ذلك فيما تقدم ، وكان مع غزارة علمه في فن الكلام يقول : من لزم مذهب العجائز كان هو الفائز ، وقد ذكرت وصيته ( 1 ) عند موته وأنه رجع عن مذهب الكلام فيها إلى طريقة السلف وتسليم ما ورد على وجه المراد اللائق بجلال الله سبحانه . وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل في ترجمته : كان يعظ وينال من الكرامية وينالون منه سبا وتكفيرا بالكبائر ، وقيل إنهم وضعوا عليه من سقاه سما فمات ففرحوا بموته ، وكانوا يرمونه بالمعاصي مع المماليك وغيرهم ، قال : وكانت وفاته في ذي الحجة ، ولا كلام في فضله ولا فيما كان يتعاطاه ، وقد كان يصحب السلطان ويحب الدنيا ويتسع فيها اتساعا زائدا ، وليس ذلك من صفة العلماء ، ولهذا وأمثاله كثرت الشناعات عليه ، وقامت عليه شناعات عظيمة بسبب كلمات كان يقولها مثل قوله : قال محمد البادي ، يعني العربي يريد به النبي صلى الله عليه وسلم ، نسبة إلى البادية . وقال محمد الرازي يعني نفسه ، ومنها أنه كان يقرر الشبهة من جهة الخصوم بعبارات كثيرة ويجيب عن ذلك بأدنى إشارة وغير ذلك ، قال وبلغني أنه خلف من الذهب العين مائتي ألف دينار غير ما كان يملكه من الدواب والثياب والعقار والآلات ، وخلف ولدين أخذ كل واحد منهما أربعين ألف دينار ، وكان ابنه الأكبر قد تجند وخدم السلطان محمد بن تكش . وقال ابن الأثير في الكامل : وفيها توفي فخر الدين الرازي محمد بن عمر بن خطيب الري الفقيه الشافعي صاحب التصانيف المشهورة والفقه والأصول ( 2 ) ، كان إمام الدنيا في عصره ، بلغني أن مولده سنة ثلاث ( 3 ) وأربعين وخمسمائة ومن شعره قوله : إليك إله الخلق وجهي ووجهتي * وأنت الذي أدعوه في السر والجهر وأنت غياثي عند كل ملمة * وأنت ملاذي في حياتي وفي قبري ذكره ابن الساعي عن ياقوت الحموي عن ابن لفخر الدين عنه وبه قال : تتمة أبواب السعادة للخلق * بذكر جلال الواحد الأحد الحق مدبر كل الممكنات بأسرها * ومبدعها بالعدل والقصد والصدق أجل جلال الله عن شبه خلقه * وأنصر هذا الدين في الغرب والشرق إله عظيم الفضل والعدل والعلى * هو المرشد المغوي هو المسعد المشقي ومما كان ينشده :

--> ( 1 ) نسخة وصيته في الوافي بالوفيات 4 / 250 . ( 2 ) في ابن الأثير : في الفقه والأصول وغيرهما . ( 3 ) في الوافي : أربع . وانظر وفيات الأعيان 4 / 252 .